نحو سيادة مائية وكرامة إنسانية
بِقلم: المرصد التونسي للمياه
حينما نخطّ الحرف الأول في هذا الإصدار البكر من مجلة "المرصد التونسي للمياه"، فإننا لا نفتتح مجرد دورية إعلامية تضاف إلى رفوف المكتبات، ولا نمارس ترفاً فكرياً نناقش فيه نظريات بيئية في قاعات مكيفة.
إننا نكتب، والحبر الذي يملأ أقلامنا ممزوج بعرق النساء الريفيات اللواتي يقطعن الكيلومترات تحت شمس"القيظ" الحارقة من أجل دلو ماء، وبغبار الأرض المتشققة في ضيعات الفلاحين الصغار الذين يرون أرزاقهم تذبل أمام أعينهم، وبصوت الحناجر التي بُحت وهي تصرخ في القرى المنسية: "عطشانين.. الماء حق موش مزية".
هذه المجلة هي وليدة "اللحظة الحرجة". اللحظة التي لم يعد فيها الحياد ممكناً. ففي معركة الماء، الحياد يعني الوقوف معالعطش، ويعني التواطؤ مع سوء التصرف، ويعني القبول بأن تكون تونس بلداً يُحرم أبناؤه من شريان الحياة لترتوي مصالح ضيقة وحسابات ربحية لا تقيم وزناً للإنسان.
العالم يغلي.. وتونس في عين العاصفة
علينا أن نضع الأمور في نصابها منذ البداية. نحن لا نعيش في جزيرة معزولة. العالم بأسره يمر بمنعطف تاريخي خطير. إن أزمة المياه العالمية لم تعد مجرد فصل من فصول التغير المناخي، بل تحولت إلى أداة جيوسياسية، وسلاحاً للإخضاع، وعاملاً رئيسياً في الهجرات القسرية والحروب الأهلية.
لقد تحول "الذهب الأزرق" إلى عملة نادرة، تتسابق الشركات العابرة للقارات للسيطرة عليها وتسليعها، محاولةً تحويل هذا الحق الإلهي والإنساني إلى بضاعة تخضع لقانون العرض والطلب.
وفي خضم هذا المشهد العالمي المضطرب، تقف تونس عند تقاطع طرق خطير. بلادنا، المصنفة تحت خط الفقر المائي منذ عقود، تواجه اليوم ما هو أخطر من "شح السماء". نعم، الأمطار انحبست، والسدود جفت، والسنوات العجاف تتالت. ولكن، هل السماء وحدها هي المسؤولة؟ هل يمكننا، بضمير مرتاح، أن نلقي بكل اللوم على الطبيعة ونبرئ ساحة السياسات؟
الجواب الذي يحمله لكم "المرصد التونسي للمياه" عبر صفحات هذا العدد، وبصوت عالٍ، هو: لا. إن ما تعيشه تونس ليس مجرد "أزمة موارد"، بل هو "أزمة حوكمة" هيكلية وعميقة. إنه فشل ذريع لمنوال تنموي فلاحي واقتصادي بُني منذ السبعينيات على وهم "الوفرة"، وتجاهل حقيقة "الندرة".
لقد شجعت الدولة لعقود زراعات مستنزفة للمياه، موجهة بالأساس للتصدير، وكأننا ببلادنا تصدر مياهها الافتراضية إلى أوروبا والعالم، في شكل تمور وحوامض وخضروات، لنقبض العملة الصعبة ونخسر العملة الأصعب: أمننا المائي ومستقبل أجيالنا.
من "نوماد 08" إلى المرصد.. رحلة الوعي والمقاومة
لم يولد وعينا بهذه المخاطر من فراغ. فجذورنا ضاربة في أرض النضال الاجتماعي. تعود بنا الذاكرة إلى انتفاضة الحوض المنجمي في 2008، تلك الشرارة التي علمتنا أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا تتجزأ. ومن رحم ذلك المخاض، وبعد الثورة التونسية، تأسست جمعية نوماد 08 (Nomad08) في عام 2012، حاملةً هموم الجهات المهمشة والمقصية.
في تلك السنوات الأولى، ومع انغماسنا في رصد مشاكل التنمية، برزت قضية المياه كأُم المعارك. لاحظنا أن الاحتجاجات المطالبة بالماء تتصاعد بنسق جنوني، وأن خارطة العطش تتطابق بشكل مفزع مع خارطة الفقر والتهميش. أدركنا حينها أن المعركة القادمة هي "معركة الماء". ومن هنا، جاء تأسيس "المرصد التونسي للمياه" في 2016، ليكون الجهاز العصبي لهذا الحراك، والعين التي لا تنام.
ولمواصلة مأسسة هذا الجهد وتعزيزه بالخبرات، بادرنا بتأسيس "الهيئة الاستشارية"، التي مثلت إضافة نوعية وحاسمة، حيث لعبت دوراً محورياً في إسناد مسارات عملنا وتوجيه استراتيجياتنا، مما منح تحركاتنا عمقاً علمياً ورؤية استشرافية دقيقة.
على مدار عشر سنوات من العمل الدؤوب، لم نكن مجرد راصدين للإحصائيات. لقد حولنا المرصد إلى قلعة للدفاع عن الحقوق. بنينا "منظومة الرصد" (Watchwater.tn): التي مكنت كل مواطن تونسي، من بنزرت إلى بن قردان، من أن يتحول إلى مراسل صحفي ومدافع حقوقي، يبلغ عن الانقطاعات والتسربات والانتهاكات بلمسة زر. لم تعد المعلومة حكراً على الإدارة، بل أصبحت ملكاً للمواطن.
أنتجنا "خرائط العطش": تلك الخرائط الشهرية التي أصبحت كابوساً يؤرق مضاجع المسؤولين، لأنها تفضح بالدليل والبرهان المناطق التي سقطت من حسابات الدولة، وتكشف زيف الشعارات الرسمية حول "تغطية مياه الشرب".
خضنا المعركة الدستورية والتشريعية: كنا في طليعة القوى التي ضغطت لتضمين "الحق في الماء" وإنفاذه. ولم نتوقف عند النصوص، بل خضنا صراعاً مريراً وما زلنا، من أجل إصدار "مجلة مياه" جديدة، تقطع مع مجلة 1975 البالية التي تعاملت مع الماء كمسألة تقنية بحتة، وتؤسس لرؤية مواطنية تشاركية.
العدالة المائية.. الوجه الآخر للديمقراطية
إننا في المرصد التونسي للمياه نؤمن إيماناً راسخاً بأن الديمقراطية لا تستقيم في بلد يعطش شعبه. كيف نتحدث عن الكرامة والمواطنة لامرأة ريفية تقضي نصف يومها في رحلة شاقة لجلب الماء الملوث؟ كيف نتحدث عن العدالة الاجتماعية بينما نرى مسابح النزل وملاعب الغولف خضراء يانعة، بينما تموت واحاتنا العريقة عطشاً، وتُقطع مياه الشرب عن أحياء كاملة لأسابيع؟
هذه المفارقات الطبقية والجهوية هي جوهر نضالنا. نحن نناضل من أجل "العدالة المائية". نناضل لكي لا تدفع الفئات الهشة ثمن سوء التصرف. نناضل ضد "مافيا المياه" التي تحفر الآبار العشوائية وتستنزف المائدة المائية دون حسيب أو رقيب، بينما يُلاحق الفلاح الصغير قضائياً. نناضل من أجل المجمعات المائية(GDA) التي تُركت لتواجه مصيرها دون دعم أو تأطير، فتحولت من حل تنموي إلى بؤرة للتوتر والديون.
لقد عملنا طيلة العقد الماضي على مشاريع ميدانية لا تحصى، زرنا القرى، وجلسنا مع الفلاحين، واستمعنا لآلام الناس. وثقنا قصص معاناتهم، ورفعنا قضاياهم إلى المحاكم، ونظمنا القوافل التضامنية. لم نكتفِ بالصراخ، بل قدمنا البدائل، ونظمنا "الملتقى الوطني للماء" ليكون فضاءً للحوار العقلاني، جمعنا فيه الخبراء والأكاديميين والنشطاء، لنقول للسلطة: "الحلول موجودة، لكن الإرادة السياسية هي الغائبة".
لماذا هذه المجلة؟ ولماذا الآن؟
يأتي إصدار هذا العدد الأول تتويجاً لهذا المسار التراكمي. إننا نطلق هذه المجلة نصف السنوية لتكون "الذاكرة الحية" لهذا النضال، و"المختبر الفكري" الذي نُشرح فيه الواقع ونبني فيه المستقبل. في هذا العدد، وعبر مقالاته الخمسة، سنغوص بعمق في ملفات شائكة. لن نكتفي بالسطحية الإعلامية، بل سنحلل الأرقام، ونفكك الخطاب الرسمي.
سنطرح أسئلة جريئة حول جدوى مشاريع تحلية المياه في ظل تكلفتها الطاقية والبيئية الباهظة، وسنناقش خطورة التفويت في خدمات توزيع المياه للقطاع الخاص تحت مسميات "الشراكة"، وسنسلط الضوء على التجارب الناجحة في الحوكمة المحلية للمياه التي يقودها مواطنون شرفاء. هذه المجلة هي منبركم. هي صوت كل تونسي يرى في الماء حقاً مقدساً لا يقبل المساومة. نريدها أن تكون وثيقة مرجعية للباحثين، ودليلاً للناشطين، ورسالة مفتوحة ومستمرة لصناع القرار.
عهدنا معكم: النضال مستمر
ونحن ندخل عشرية جديدة من عمر المرصد التونسي للمياه، نجدد العهد معكم. نعدكم بأن نظل شوكة في حلق الفساد المائي، وصوتاً مزعجاً لكل من يريد خصخصة مياهنا أو تلوين عطشنا بوعود وردية.
إن الطريق أمامنا طويل وشاق. التغيرات المناخية ستزداد حدة، والضغوط الاقتصادية ستتفاقم، ومحاولات الالتفاف على الحقوق لن تتوقف. لكن إيماننا بعدالة قضيتنا أقوى من كل السدود والعراقيل. نحن لا نناضل من أجل "متر مكعب" من الماء فحسب؛ نحن نناضل من أجل نموذج مجتمعي جديد.
نموذج يحترم البيئة، ويصون الموارد للأجيال القادمة، ويحقق السيادة الغذائية والمائية الحقيقية. نناضل لكي تكون تونس "سيدة مائها"، فلا ترتهن للخارج من أجل غذائها، ولا يخضع قرارها السياسي لابتزاز العطش. اقرؤوا هذه المجلة، انشروها، وناقشوا محتواها. فالمعرفة هي أول خطوة نحو التغيير، والوعي هو السلاح الذي لا يُهزم.
دمتم حراساً للماء.. دمتم حراساً للحياة. وعاشت تونس، خضراء، مروية، وعادلة.
لقراءة و تحميل النسخة الرقميّة من المجلّة ، إضغط هنا
