Catégorie

Article de Presse
Publié par souilmi yasser le 25/11/2019 - 20:30

المفكرة القانونية يوم 25 نوفمبر 2019

محمد سميح الباجي عكاز

المقال


بعد انتهاء مراسم الجلسة الافتتاحية للمدة النيابية الثانية 2019-2024، التي انطلقت في 13 نوفمبر 2019، مُعلنة بدء أشغال مجلس نواب الشعب، سيجد البرلمانيون الجدد أنفسهم أمام العشرات من مشاريع القوانين التي طال انتظارها على الرف. وسط هذه التركة، سيكون مشروع قانون مجلة المياه الجديدة أحد أبرز الملفات التي ستعالجها قبة قصر باردو وهي التي ترتبط بشكل عضوي بأحد أهم الموارد الحياتية للتونسيين. في هذا السياق، اختتمت جمعية نوماد 08 في 07 نوفمبر 2019 أشغال الندوة الوطنية لمشروع "التقييم المواطني للماء وإطاره التشريعي في تونس". ندوة لم تكتف بإطلاق صيحات التنبيه من مشروع قانون حكومي سيفاقم أزمة مشاكل التصرف في الموارد المائية، بل وضعت على عاتقها طرح إطار تشريعي بديل وحشد قوى المجتمع المدني للأخذ بزمام المبادرة في مواجهة خطر العطش الذي صار واقعا يعايشه التونسيون بشكل يومي.

 

على وقع المقال المنشور في موقع البنك الدولي والداعي إلى ترفيع سعر الماء الصالح للشراب في تونس، وبعد سنة كانت سمتها استمرار معضلة العطش بعد تسجيل 416 حالة اضطراب في توزيع المياه لم تستثن أي محافظة بحسب إحصائيات المرصد التونسي للمياه، كان المجتمع المدني المعني بقضية الموارد المائية في تونس وعدد من الخبراء في هذا المجال، يسعون إلى بلورة طرح تشريعي وخطة عمل للتصدي لتدهور الوضع المائي في البلاد وخلق حراك يسلط الضوء على هذا الملف الذي ترتبط به حياة التونسيين وأمنهم الغذائي.

 

المجتمع المدني يلفظ المشروع الحكومي ويطرح بديلا له

اللقاء الذي استمر طيلة 48 ساعة في مدينة سوسة يومي 06 و07 نوفمبر الجاري تحت عنوان الندوة الوطنية لمشروع "التقييم المواطني للماء وإطاره التشريعي في تونس"، استطاع أن يقدم قراءة نقدية وافية لمشروع مجلة المياه الذي صادقت عليه الحكومة التونسية في 27 جويلية 2019 وأحالته منذ ذلك التاريخ إلى مجلس نواب الشعب. ولكن الحاضرين الذين تنوعت مشاربهم بين ناشطين في المجتمع المدني وخبراء وإعلاميين وممثلين عن البلديات وحتى موظفين في مختلف المصالح الحكومية المعنية باستغلال وتوزيع المياه، تجاوزوا تسليط الضوء على هنات المشروع الحكومي ليؤكدوا في ختام هذه الندوة عن التفافهم حول مشروع "المجلة المواطنية للماء" التي قدمتها جمعية نوماد 08 كإطار تشريعي شعبي بديل عن نظيره الذي قدمته وزارة الفلاحة. هذا الدعم تجلى في توقيع المجتمعين على ما أسموه "ميثاق تونس من أجل الحق في الماء" الذي أعلن التبني الكامل لمشروع المجلة المواطنية التي تتلخص ملامحها العامة في الآتي:

  • التمسك بمقتضيات الفصل 13 بالدستور فيما يتعلق بملكيّة الشعب للثروات الطبيعية والفصل 44 المتعلق بضمان الحق في الماء.
  • تحديد الأولويات في إطار منوال تنمية بديل موجه بالهدف الاسمي المرتبط بتحقيق السيادة الغذائية.
  • تركيز هيكل مستقلّ ذو طابع سيادي للتصرف في الماء في كل مراحله وبكل أشكاله.
  • إحداث تعريفة اجتماعيّة لمياه الشرب.
  • ضمان حقّ التقاضي والتعويض للمواطن.
  • تطبيق مبدأ العهدة على الملوث.
  • اعتماد البصمة المائية في الاستراتيجية العامة للتصرف في الموارد المائية.
  • إرساء ثقافة مواطنية من خلال برامج التربية والتعليم والتوعية الشعبية الشاملة.
  • تصفية المجامع المائية وتركيز شركة وطنيّة لتوزيع المياه بالوسط الريفي.
  • العقوبات المرتبطة بانتهاك الثروة المائية ليست غاية في حد ذاتها ولكنها وسيلة لحماية الثروة المائية.

وقد تعهدت الأطراف التي أمضت على الميثاق بحسب ما جاء في نصه "بالقيام بمبادرات المناصرة اللازمة، والاتصال بكل الأطراف المعنية بالموضوع على غرار رئاسة الجمهورية ونواب البرلمان وصولا إلى الاتصال المباشر بالمواطنين في الجهات، لتحويل مشروع المجلة المواطنية للماء إلى مطلب شعبي وقضية رأي عام".

 

خلف واجهة "تونس الخضراء": شعب يعطش وموارد تشحّ

سجل المرصد التونسي للمياه منذ بداية شهر جانفي 2019 إلى حدود شهر نوفمبر من نفس السنة 416 حالة اضطراب في توزيع المياه الصالحة للشراب. رقم يضع أكثر من نقطة استفهام أمام مدى التزام الدولة بتطبيق الفصل 44 من الدستور التونسي الذي ينص على ضمان الحق في الماء لسائر المواطنين. هذه "الاضطرابات" التي أدت إلى حرمان الناس من المياه الصالحة للشراب نتيجة انقطاعات في التزويد دامت لساعات وأيام في بعض المحافظات، لم تكن مجرد ظرف استثنائي، حيث تثبت الإحصائيات الصادرة عن المرصد التونسي للمياه أن هذه المعضلة تحولت إلى واقع يتعايش معه التونسيون منذ سنوات. فقد مثلت السنوات الفارطة، وخصوصا خلال فصل الصيف، معاناة شبه موسميّة تساوت فيها ولايات الجنوب والوسط من جهة والشمال الغربي للبلاد الغني بالموارد المائية والسدود والذي يوفر 74% من الإيرادات السنوية من المياه السطحية المقدّرة ب2.7 مليار متر مكعب. حيث ارتفعت معدلات انقطاع المياه من 122 حالة سنة 2016 إلى 288 حالة في صيف سنة 2018 وفق الأرقام الصادرة عن المرصد التونسي للمياه. ارتدادات سوء التصرّف في الموارد المائيّة واضطرابات توزيع المياه الصالحة للشراب تجاوزت بُعد المعاناة الإنسانية، لتتحول إلى أحد الأسباب الرئيسية لضرب الاستقرار الإجتماعي. حيث شهدت البلاد خلال شهر أوت 2019 قرابة 250 تحركا احتجاجيا ضد الحرمان من الماء الصالح للشراب وسوء البنية التحتية لتوزيع المياه حسب احصائيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. رقم يمثل ثلث اجمالي الحراك الاجتماعي خلال نفس الفترة، ليكون دليلا على أن انتفاضة العطش صارت حتمية أكثر من أي وقت مضى.

أمام هذا الوضع المتردّي لمنظومة استغلال وتوزيع الماء الصالح للشراب، تلجأ السلط المعنية لاستحضار مسألة الفقر المائي للتنصل من مسؤولية الدولة في أزمة العطش. شماعة لجأ إليها وزراء الفلاحة المتتالون على غرار وزير الفلاحة السابق سعد الصديق والحالي سمير بالطيب، ليذكرا أن تونس تعيش حاليا تحت خط الفقر المائي نظرا لتراجع التساقطات بنسبة 28% خلال العقدين الأخيرين. اكتشاف الوزيرين لهذه الحقيقة جاء متأخرا ليعكس حجم استهتار الدولة وتغاضيها عن تحذيرات مسبقة لعل أهمها تقرير البنك الدولي سنة 2009، والذي دق نواقيس الخطر من أزمة عطش مستقبلية ستعيشها تونس خلال السنوات الخمس المقبلة. في ذلك التقرير، أشار خبراء الهيئة المالية الدولية إلى عوامل الأزمة بشكل واضح ومباشر، ليحذروا من تبعات اعتماد السلطات على الموارد السطحية التي لا تتركز إلا في مناطق محدودة في شمال البلاد وغربها لتوفير ثلاثة أرباع حاجيات المستهلكين من الماء. استراتيجيّة أثبتت فشلها مع تذبذب الكميات السنوية للأمطار واستنزاف احتياطي المياه الجوفية غير المتجددة في الجنوب التونسي وتراجع الموارد السطحية ب 150 مليون متر مكعب خلال السنوات التسع الأخيرة. أما العامل الثاني لمشكلة شح المياه بحسب التقرير المذكور، فهو استهلاك ما يزيد عن 82% من احتياطي المياه العذبة في الزراعة، في حين لا يتجاوز نصيب الأفراد للمياه الصالحة للشراب نسبة 18%. مؤشر يفسر تصنيف تونس ضمن قائمة البلدان التي تعاني من ندرة المياه، حيث لا تتجاوز حصّة الفرد سنويا من المياه العذبة 500 متر مكعب سنة 2009 والتي انخفضت بحسب المرصد التونسي للمياه لتتراوح بين 380 و440 مترا مكعبا سنة 2019، بما يمثل أقل من نصف المعدل العالمي.

أزمة العطش التي تتزامن مع تغييرات مناخية ستكون ارتداداتها كارثية على الموارد المائية الشحيحة للتونسيين، خصوصا مع تواتر تحذيرات مسؤولي وزارة الفلاحة التونسية من أن تراجع التساقطات وارتفاع درجات الحرارة خلال العقدين القادمين، سيؤدي إلى تقلص المياه السطحية بنسبة 5%. هذا الوضع يطرح من جديد إشكالية إدارة الدولة لهذه الثروة الطبيعية الأهم لحياة المواطنين، إذ لا تقتصر مشاكل المياه في تونس على تذبذب التوزيع في أغلب محافظات البلاد، بل تشمل الإطار التشريعي المنظم لاستغلال وحماية الموارد المائية في ظل تلكؤ رسمي في التعاطي مع قضية حسم مشروع مجلة المياه التي بدأ العمل عليها منذ سنة 2009 كبديل عن الإطار القانوني المعمول به حاليا والذي يعود إلى سنة 1975.

 

مجلة مياه متقادمة ومشروع حكومي ظمئ للإصلاحات

لم يعرف القانون المنظم لاستغلال وحماية الموارد المائية تغييرا يذكر منذ إصداره بمقتضى القانون عدد 16 لسنة 1975 المؤرخ في 31 مارس 1975 والمتعلق بإصدار مجلة المياه. فرغم تغير العديد من المعطيات الطبيعية والسياسية خلال تلك العقود، ظلّت قضية الماء محل إهمال من السلطات على الرغم من انعكاسها المباشر على الحياة اليومية للمواطنين وعلى القطاع الفلاحي الذي يمثل أحد أهم موارد الاقتصاد التونسي. حيث لم تخضع مجلة المياه الحالية سوى لتعديلات طفيفة في سنوات 1987، 1988 و2001، قبل أن تنطلق أولى الخطوات لإعداد مشروع مجلة مياه جديدة سنة 2009. إلا أن هذه الخطوة سرعان ما تعطلت مع اندلاع الثورة التونسية وانشغال الرأي العام بالتغييرات السياسية التّي شهدتها البلاد طيلة الفترة اللاحقة. ليتم الكشف عن النسخة الأولى لمشروع قانون مجلة المياه في جويلية 2014 عقب المصادقة على الدستور الجديد في شهر جانفي من نفس السنة تماشيا مع دسترة الحق في الماء الصالح للشراب كما نص على ذلك الفصل 44.

تلك النسخة التي انتظرت خمس سنوات لترى النور، أثارت موجة استنكار واسعة إثر عرضها على استشارة موسعة في ماي 2015 ضمّت ممثلين عن المجتمع المدني من ذوي الاختصاص. حيث اعتبر هؤلاء أن مشروع مجلة المياه لم يكن في مستوى تطلعات المختصين في هذا المجال، إضافة إلى عدم توافقه مع متطلبات التّصرف المستدام في الثروة المائية. وقد عمدت المنظمات المشاركة في الإستشارة الوطنية إلى توجيه رسالة إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والموارد المائية ضمنتها أهم مؤاخذاتها والتي تمحورت حول محافظة مشروع المجلة المقترحة على نفس الهيكل المؤسساتي للّصرف في مجال المياه وعلى نفس أدوار ومسؤوليات كلّ المتدخلين، وهو ما يتناقض مع مبدأي الشفافية والمسائلة المتبادلة. كما أشارت إلى تغاضى وزارة الفلاحة عن الاعتبارات الجهوية والمحلية في التصرف في المياه في تناقض واضح مع مسار اللامركزية التي ينصّ عليها الدستور الجديد. وأخيرا، طالبت منظمات المجتمع المدني بالاطلاع على النصوص المتممة للمشروع والتي يبلغ عددها 45 نصا إضافيا تنقسم إلى أوامر وقرارات، معتبرة أن عملية التقييم ستكون منقوصة إذا تم حجب هذه النصوص.

هذه المعارضة الشرسة، دفعت الوزارة إلى سحب تلك النسخة من مشروع مجلة المياه بدعوى التنقيح، إلى حدود جويلية 2017، تاريخ طرحها مرة أخرى للنقاش مع النقابة العامة للمياه التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للفلاحة وباقي منظمات المجتمع المدني. نقاشات لم تفض إلى أي تقدم يذكر رغم تعدد الجلسات، بعد اعتراض الطرف النقابي على ما اعتبرها بنودا تضر بالملك العمومي وتفتح المجال أمام خصخصة الثروة المائية وهياكل توزيعها كما يوحي به الفصل 61 من مشروع المجلّة المقترح، الذي ينص على أن "تشجع الدولة الشراكة بين القطاعين العام والخاص للتصرف في الموارد المائية وإدارة المنشآت المائية في نطاق امتيازات أو كل أشكال الشراكة الخاضعة للنصوص التشريعية الجاري بها العمل". تواصل الخلافات، أفضى في كل مرة إلى طرح نسخ معدلة في أفريل 2018 وفيفري 2019 وصولا إلى النسخة الختامية التي صادقت عليها الحكومة في 27 جويلية 2019 بعد أن نالت موافقة الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري.

النسخة الأخيرة، وإن حيّدت المنظمات النقابية الكبرى، إلا انها لم تستطع إقناع الفاعلين والمعنيين في المجتمع المدني، الذين نشروا قراءة تحليلية ونقدية حول مشروع مجلة المياه خلال الندوة الوطنية لمشروع "التقييم المواطني للماء وإطاره التشريعي في تونس" في 06 و07 نوفمبر الجاري. إذ اعتبرت الورقة النقدية التي قدمتها جمعية نوماد 08 بمشاركة المرصد التونسي للمياه وبدعم من منظمة روزا لكسمبورغ، أن مشروع الإطار القانوني الجديد لاستغلال المياه المقدم من طرف الحكومة، جاء تطبيقا لتوصيات دراسة مولها البنك الدولي سنة 2009 بعنوان "الماء في تونس أفق 2030" بغرض دفع السلطة لفتح الملك العمومي للمياه نحو الخصخصة باعتباره الخدمة العمومية الوحيدة التي بقيت تابعة كليا للدولة. وقد تم انتقاد الطابع التقني للنص القانوني وغياب مفاهيم عدة طرحتها الثورة كأوليات على غرار منوال التنمية والبعد الاجتماعي والسيادة الغذائية. وقد خلص الكتيّب النقدي الذي تم توزيعه على العموم خلال الندوة إلى أن مشروع مجلة المياه في نسختها الأخيرة، ورغم التحسينات التي طرأت عليها مقارنة بنسخة سنة 2014 خصوصا على المستوى البيئي بفعل ضغط المجتمع المدني، إلا أنها حافظت على نفس العقلية التي بُنيت عليها مجلة سنة 1975، كما تعمدت المحافظة على نوع من الغموض في بعض فصولها لفتحها لاحقا على التأويل فيما يتعلق بنقطة الشراكة بين القطاعين الخاص والعام. كما اعتبر مؤلفو النص النقدي أن الحكومة ووزارة الفلاحة بالخصوص أطنبت في توسيع صلاحيات وزارة الإشراف وإحداث المؤسسات واللجان والهيئات والمجالس المعنية بتنظيم استغلال وتوزيع المياه في إطار تعويم المهام وتعسير المحاسبة لاحقا، كما ظل المشروع الجديد وفق ما جاء في ختام القراءة التحليلية فاقدا للجرأة والتجديد فيما يتعلق بالمقاربات الحديثة للماء والتصورات الاستراتيجية في علاقة بالتحولات المناخية ووسائل التأقلم وتعزيز الموارد.

أمام حجم الهنات التي عرتها الندوة الوطنية لمشروع "التقييم المواطني للماء وإطاره التشريعي في تونس"، انتقلت منظمات المجتمع المدني المختصة في مسألة المياه رفقة مجموعة من الخبراء في هذا المجال من لعب دور المعارضة أو النقد السلبي إلى طرح البدائل وتكوين قوة اقتراح في موازاة الطرح الرسمي عبر تقديم مسودة مشروع مجلة مواطنية للمياه، تهدف بالأساس إلى تحديد التصور الاستراتيجي لتعبئة الموارد المائية وتدعيم دور السلطة المحلية في التصرف في المياه وتشريكها كطرف أساسي في تنظيم هذا القطاع، إضافة إلى تكريس البعد البيئي وربط المورد المائي بمفهوم العدالة الاجتماعية لتحقيق التوزيع العادل لهذه الثروة بين الأفراد والجهات وضمان حقوق الأجيال القادمة في مواردها المائية.

هذه الخطوة التي حشدت مختلف الفاعلين والمهتمين بقضية الماء في تونس، قد تكون إشارة انطلاق مسار جديد في التعاطي مع هذا الملف، ليخرجه من دائرة النقاش الضيقة إلى مجال أرحب وأكثر قربا من المواطنين المعنيين مباشرة بارتدادات السياسة المائية التي أنتجت ما تعانيه البلاد اليوم من عطش وضيم في توزيع الثروة المائية وهدر لأحد أهم أساسيات الحياة البشرية.

Partager